محمد بن علي الشوكاني
354
الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني
العدول عنه بحال . واعلم أن من الشبه الباطلة التي يوردها المعتقدون في الأموات أنهم ليسوا كالمشركين من أهل الجاهلية ، لأنهم إنما اعتقدوا في الأولياء والصالحين ، وأولئك اعتقدوا في الأوثان والشياطين . وهذه الشبهة داحضة تنادي على صاحبها بالجهل ، فإن الله - سبحانه - لم يعذر من اعتقد في عيسى - عليه السلام - وهو نبي من الأنبياء ، بل خاطب النصارى بتلك الخطابات القرآنية ، ومنها : { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله } ( 1 ) وقال لمن كان يعبد الملائكة : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم } ( 2 ) . ولا شك أن عيسى والملائكة أفضل من هؤلاء الأولياء والصالحين الذين صار هؤلاء القبوريون يعتقدونهم ، ويغلون في شأنهم ، مع أن رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - وهو أكرم الخلق على الله [ 30 ] ؛ وسيد ولد آدم قد نهى أمته أن ( 3 ) تغلو فيه كما غلت النصارى في عيسى - عليه السلام - ، ولم يمتثلوا أمره ، ولا امتثلوا ما ذكره الله
--> ( 1 ) [ النساء : 171 ] . ( 2 ) [ سبأ ] . ( 3 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري رقم ( 3445 ) عن ابن عباس أنه سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر ، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، فإنما أنا عبده ، فقولوا عبد الله ورسوله " .